الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد،
يقول الله تعالى في سورة الإخلاص:
( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1 اللَّهُ الصَّمَدُ
2 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ 3 وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ 4 )
و سمية الإخلاص لأنها خَلُصَت لله تعالى، فلم يُذكر فيها حلال و لا حرام، و لا دنيا
و لا آخرة، و لا جنة و لا نار، بل ليس فيها إلى ذكر الرب جل و علا.
يقول الطبري في " تفسيره ":
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ
قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ
وَلَمْ يُولَدْ ) قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ يَقُولَانِ : الْبَاقِي بَعْدَ
خَلْقِهِ ، قَالَ : هَذِهِ سُورَةٌ خَالِصَةٌ ، لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
- فهو الله أحد :
يقول معمر بن راشد في جامعه 1052 بسند صحيح:
قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ
: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرٍ لَمْ أَفْهَمْهُ
، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اللَّهُ أَكْبَرُ سَأَلَ عَنْهَا رَجُلانِ ، وَهَذَا
الثَّالِثُ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
" إِنَّ رِجَالا سَتُرْفَعُ بِهِمُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقُولُوا : اللَّهُ
خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَهُ؟.
فَكَانَ مَعْمَرٌ يَصِلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَقُولُ : " اللَّهُ خَلَقَ
كُلَّ شَيْءٍ ، وَهُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ كَائِنٌ بَعْدَ كُلِّ شَيء. اهـ
و هذا من أَجَلِّ معاني الأولية.
و كان عليه الصلاة و السلام يقول :"هُوَ الأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ
شَيْءٌ".
و قال الترمذي في " سننه/ 3109" بسند حسن :
حدثنا أحمد بن منيع حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء
عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين قال:
قلت: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخلُقَ خَلْقَهُ
؟
قَالَ:"كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ
وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ ".
قال أحمد بن منيع، قال يزيد بن هارون "العماء": أَُيْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ. اهـ
و في هذا الحديث الرد على المشركين عباد الأوثان (كالقبورية)، و على المجوس، و على اليهود في قولهم
(عزير ابن الله ) و النصارى في قولهم ( المسيح ابن الله ) و الجهمية في قولهم ( كلام
الله مخلوق ) فكيف يكون مخلوقا و به خلق الخلق. و فيه الرد على القدرية الغلاة في قولهم
(هما اثنان خالق شر ، وخالق خير) ...
ـ و هو الله الصمد :
يقول الطبري في " تفسيره ":
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا
سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الْمُصْمَتُ
الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَكِيعٌ ،
قَالَا ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ ( : الصَّمَدُ
) : الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا
الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَا
جَوْفَ لَهُ .
قَالَ : ثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ
، قَالَ : أَرْسَلَنِي مُجَاهِدٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَسَأَلُهُ عَنْ ( الصَّمَدِ
) ، فَقَالَ : الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى ، قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ
بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) الَّذِي لَا يُطْعَمُ
الطَّعَامَ .
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي
خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَا يَأْكُلُ
الطَّعَامَ ، وَلَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ .
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَا ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ
سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَا
جَوْفَ لَهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ
، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ . " اهـ
و هذه التفاسير السلفية كقوله تعالى ( وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ) - [الأنعام]
و قال أبو وائل (شقيق بن سلمة) : ( الصَّمَدُ ) : السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهَى سُؤْدُدُهُ.
و قال قتادة : ( الصَّمَدُ ) : الدَّائِمُ .
ـ لم يلد و لم يولد :
فالذي يَلد متبوع بالفناء
و الذي يُولد مخلوق لا يصلح أن يكون إِلَهًا يُعبد.
فالله جل و علا هو الأول الذي ليس قبله شيء و هو الآخر الذي ليس بعده شيء.
ـ و لم يكن له كفوا أحد:
كقوله تعالى: ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ
وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) - [ الْأَنْعَامِ :
101 ]
يقول الطبري في " تفسيره " :
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا
سُفْيَان ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بن أَبْجَر ، عَنْ طَلْحَة ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلَهُ
: ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) قَالَ : صَاحِبَةٌ .
و هذا إسناد صحيح عن مجاهد رحمه الله.
و مما يدل على هذا قوله تعالى في سورة الجن ( وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا
مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا 3 )
قال الطبري في " تفسيره ":
حَدَّثَنيِ يُونُس، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ،
فِي قَوْلِهِ: ( تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا ) قَالَ:
تَعَالَى أَمْرُهُ أَنْ يَتَّخِذَ - وَلاَ يَكُونُ الَّذِي قَالُوا -: صَاحِبَةً وَلاَ
وَلَدَا، وَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ
يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. قال: لا يكون ذلك منه. " اهـ
ابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد بن أبي الموالي.
يقول أبو نعيم في " الحلية " :
حَدَّثَنَا أبو بكر بن مالك ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ
بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : ثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، قَالَ : ثَنَا أبو الأحوص
، عَنْ سعيد بن مسروق ، عَنْ منذر الثوري قَالَ : قَالَ الربيع : " سُورَةٌ يَرَاهَا
النَّاسُ قَصِيرَةً وَأَنَا أَرَاهَا طَوِيلَةً عَظِيمَةً ، لَلَّهُ تَعَالَى منحنا، لَيْسَ لَهَا خَلِيطٌ ، فَأَيُّكُمْ قَرَأَهَا فَلَا يَجْمَعَنَّ إِلَيْهَا شَيْئًا
اسْتِقْلَالًا ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ ، يَعْنِي سُورَةَ الْإِخْلَاصِ
." اهـ
و صدق رحمه الله:
" سُورَةٌ يَرَاهَا النَّاسُ قَصِيرَةً "
هذا و صل اللهم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق