الأربعاء، 30 يوليو 2014

سُورَةٌ فِي كِتَابِ الله لَيْسَ لَهَا خَلِيطٌ

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد،



يقول الله تعالى في سورة الإخلاص:
( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1 اللَّهُ الصَّمَدُ 2 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ 3 وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ 4 )


و سمية الإخلاص لأنها خَلُصَت لله تعالى، فلم يُذكر فيها حلال و لا حرام، و لا دنيا و لا آخرة، و لا جنة و لا نار، بل ليس فيها إلى ذكر الرب جل و علا.


يقول الطبري في " تفسيره ":
حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : ثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : ثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فِي قَوْلِهِ : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ) قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ يَقُولَانِ : الْبَاقِي بَعْدَ خَلْقِهِ ، قَالَ : هَذِهِ سُورَةٌ خَالِصَةٌ ، لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .



- فهو الله أحد :

يقول معمر بن راشد في جامعه 1052  بسند صحيح:
قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرٍ لَمْ أَفْهَمْهُ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اللَّهُ أَكْبَرُ سَأَلَ عَنْهَا رَجُلانِ ، وَهَذَا الثَّالِثُ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ رِجَالا سَتُرْفَعُ بِهِمُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَقُولُوا : اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَهُ؟.
فَكَانَ مَعْمَرٌ يَصِلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَقُولُ : " اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَهُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ كَائِنٌ بَعْدَ كُلِّ شَيء. اهـ

و هذا من أَجَلِّ معاني الأولية.
و كان عليه الصلاة و السلام يقول :"هُوَ الأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ".

  
و قال الترمذي في " سننه/ 3109" بسند حسن :
حدثنا أحمد بن منيع حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين قال:
قلت: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخلُقَ خَلْقَهُ ؟
قَالَ:"كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ ".
قال أحمد بن منيع، قال يزيد بن هارون "العماء": أَُيْ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ. اهـ


و في هذا الحديث الرد على المشركين عباد الأوثان (كالقبورية)، و على المجوس، و على اليهود في قولهم (عزير ابن الله ) و النصارى في قولهم ( المسيح ابن الله ) و الجهمية في قولهم ( كلام الله مخلوق ) فكيف يكون مخلوقا و به خلق الخلق. و فيه الرد على القدرية الغلاة في قولهم (هما اثنان خالق شر ، وخالق خير) ...


ـ و هو الله الصمد :

يقول الطبري في " تفسيره ":
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ .

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَكِيعٌ ، قَالَا ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ ( : الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ .

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ .

قَالَ : ثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، قَالَ : أَرْسَلَنِي مُجَاهِدٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَسَأَلُهُ عَنْ ( الصَّمَدِ ) ، فَقَالَ : الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ .

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى ، قَالَ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) الَّذِي لَا يُطْعَمُ الطَّعَامَ .

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، قَالَ : ثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، وَلَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ .

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَا ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ .
  
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : ( الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ . " اهـ


و هذه التفاسير السلفية كقوله تعالى ( وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ) -  [الأنعام]



 و جاء عن عكرمة أيضا أنه قال: ( الصَّمَدُ ) : الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ .

و قال أبو وائل (شقيق بن سلمة) : ( الصَّمَدُ ) : السَّيِّدُ الَّذِي قَدِ انْتَهَى سُؤْدُدُهُ.

و قال قتادة : ( الصَّمَدُ ) : الدَّائِمُ .



ـ لم يلد و لم يولد :

فالذي يَلد متبوع بالفناء
و الذي يُولد  مخلوق لا يصلح أن يكون إِلَهًا يُعبد.

فالله جل و علا هو الأول الذي ليس قبله شيء و هو الآخر الذي ليس بعده شيء.



ـ و لم يكن له كفوا أحد:

كقوله تعالى: ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) - [ الْأَنْعَامِ : 101 ]

يقول الطبري في " تفسيره " :
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : ثَنَا سُفْيَان ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بن أَبْجَر ، عَنْ طَلْحَة ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلَهُ : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) قَالَ : صَاحِبَةٌ .

و هذا إسناد صحيح عن مجاهد رحمه الله.


و مما يدل على هذا قوله تعالى في سورة الجن ( وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا 3 )

قال الطبري في " تفسيره ":
حَدَّثَنيِ يُونُس، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ( تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا ) قَالَ: تَعَالَى أَمْرُهُ أَنْ يَتَّخِذَ - وَلاَ يَكُونُ الَّذِي قَالُوا -: صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدَا، وَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. قال: لا يكون ذلك منه. " اهـ

ابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد بن أبي الموالي.



فهذه سورة عظيمة كما ترى



يقول أبو نعيم في " الحلية " :
حَدَّثَنَا أبو بكر بن مالك ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : ثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، قَالَ : ثَنَا أبو الأحوص ، عَنْ سعيد بن مسروق ، عَنْ منذر الثوري قَالَ : قَالَ الربيع : " سُورَةٌ يَرَاهَا النَّاسُ قَصِيرَةً وَأَنَا أَرَاهَا طَوِيلَةً عَظِيمَةً ، لَلَّهُ تَعَالَى منحنا، لَيْسَ لَهَا خَلِيطٌ ، فَأَيُّكُمْ قَرَأَهَا فَلَا يَجْمَعَنَّ إِلَيْهَا شَيْئًا اسْتِقْلَالًا ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ ، يَعْنِي سُورَةَ الْإِخْلَاصِ ." اهـ


و صدق رحمه الله:
"  سُورَةٌ يَرَاهَا النَّاسُ قَصِيرَةً "


 و هي ثلث القرآن

يقول مسلم في صحيحه 811
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ قَالَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ
وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ




هذا و صل اللهم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم. 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق