الخميس، 22 ديسمبر 2016

بَابٌ فِي فَضْلِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد،




قال الله تعالى ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) - [التوبة 100]


و قال البخاري في صحيحه 6429 :
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ».



و هذا فضل عظيم و تزكية من رب العالمين 


يقول ابن أبي حاتم في " تفسيره 10305 ":
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَنْبَأَنَا الْعَبَّاسُ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلهُ: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) قَالَ: التَّابِعُونَ.


وقال ابن أبي حاتم في " تقدمة الجرح والتعديل ":
" فخلف من بعد الصحابة التابعون، الذين اختارهم الله عز وجل لإقامة دينه، وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه ... فأتقنوه، وعلموه، وفقهوا فيه، فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله عز وجل ونهيه بحيث وضعهم الله عز وجل ونصبهم له، إذ يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة:100]، فصاروا برضوان الله عز وجل لهم، وجميل ما أثنى عليهم، بالمنزلة التي نزههم بها عن أن يلحقهم مغمز، أو تدركهم وصمة؛ لتيقظهم وتحرزهم وتثبتهم، ولأنهم البررة الأتقياء الذين ندبهم الله عز وجل لإثبات دينه، وإقامة سننه وسبله، فلم يكن لاشتغالنا بالتمييز بينهم معنى، إذ كنا لا نجد منهم إلا إماماً مبرزاً مقدماً في الفضل والعلم ووعي السنن وإثباتها، ولزوم الطريقة واحتذائها، ورحمة الله ومغفرته عليهم أجمعين، إلا ما كان ممن ألحق نفسه بهم، ودلسها بينهم ممن ليس يلحقهم، ولا هو في مثل حالهم، لا في فقه ولا علم ولا حفظ ولا إتقان...".اهـ

و هذا الكلام نفيس جدا.


وقال أبو الحسين في الطيوريات ٢٩ :
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المظفر الحافظ، حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، حدثنا عبد الصمد بن يزيد مردويه قال: سمعت شقيق بن إبراهيم البلخي يقول:

" قُلنَا لابنِ المُبارَك: إذا صلَّيتَ معنا لِمَ لا تجلِس معنا؟ قال: أَذهَب فأجلِسُ مع التَّابِعين والصَّحابةِ، قال: قُلنا: فأينَ التّابِعون والصَّحابة؟ قال: أَذْهَبُ أنظُر في عِلْمِي فأُدْرِك آثارَهم وأعمالهَم، ما أصنَعُ معكم؟ أنتم تجلِسون تَغْتَابُون النَّاسَ، فإذا كان سنةَ مِائَتَيْنِ فالبُعدُ من كثيرٍ منَ النّاسِ أقربُ إلى الله عزَّ وجلَّ، فِرَّ مِنَ الناس كفِرَارِك من الأَسَد، وتَمَسَّكْ بدِينِك يَسْلَمْ لك لحمُك ودَمُكَ ".اهـ




فالتابعون خاصة كبارهم فإن شيوخهم من فعلهم و قولهم حجة، وهذه قرينة قوية على أن أفعالهم و أقوالهم ليست مختلقة من عند أنفسهم



الأمر الثاني : أنهم كانوا يبينون ما كان من علم و ما كان من رأي، و إن كانوا في عامة أحوالهم لا يتكلمون إلا بالعلم و هذا مشهور معروف

قال سعيد بن منصور في تفسيره 41 :
نا حَمَّادُ بْنُ يَحْيَى الأبح عن مَرْوَانُ الْأَصْغَرُ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ جَالِسًا فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: " اللهُ أَعْلَمُ " فَقَالَ الرَّجُلُ: قُلْ فِيهَا أَصْلَحَكَ اللهُ بِرَأْيِكَ، فَقَالَ: " أَقُولُ فِي كِتَابٍ اللهِ بِرَأْيِي فَرَدَّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ ".

(( صرح حماد بن يحيى بالسماع من مروان  في شعب الإيمان للبيهقي 2088 ))


وقال ابن سعد في الطبقات 2/294:
أخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن ابن جريج قال كان عطاء إذا حدث بشيء، قلت: علم أو رأي؟ فإن كان أثرا قال علم، و إن كان رأيا قال رأي.





بل رأيهم - إذا لم يوجد علم موروث - خير لنا من رأينا

قال ابن سعد في الطبقات 7/122:
أخبرنا روح بن عبدة قال حدثنا حماد بن لمة عن الجريري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن بن أبي الحسن: أرأيت ما تفتي به الناس، أشيئا سمعته أم برأيك؟
فقال الحسن: لا و الله، ما كل ما نفتي به سمعناه، و لكن رأينا خير لهم من رأيهم لأنفسهم.



الأمر الثالث : أنهم إذا اجتمعوا على أمر فإنه حجة

يقول عبد الرزاق في مصنفه 1280:
عَنْ مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِي قَالَ: الحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ. قُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالَ: هَذَا مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَ لَيْسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ نَجِدُ الإِسْنَاد. اهـ

و قال أيضا 4942 :

عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنِ الْآيَةِ تَكُونُ بَعْدَ الْعَصْرِ؟ قَالَ: «الدُّعَاءُ وَلَيْسَ فِيهَا صَلَاةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ»، قُلْتُ: عَمَّنْ تُحَدِّثُ؟ قَالَ: «كَذَلِكَ كَانُوا يَصْنَعُونَ».


و السلف لا يجتمعون على ضلالة


و جاء في رسالة الإمام أحمد إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان
" ... وَلَسْتُ بِصَاحِبِ كَلَامٍ وَلَا أَرَى الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ فِي حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِ أَوْ عَنِ التَّابِعِينَ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيهِ غَيْرُ مَحْمُودٍ ... ". اهـ

[ السنة لعبد الله بن أحمد ص ١٤٠ ]


و قد ذكر الدارمي كلمة نفيسة و هي أن أقوال التابعين حجة لكن اختلافهم ليس بسنة لازمة

يقول أبو سعيد الدارمي في " الرد على المريسي 1/591 ":
" فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ فِي إِكْفَارِ الْجَهْمِيَّةِ وَقَتْلِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَوْلِهِمْ: الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. أَن هَذِه الرِّوَايَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا لَيْسَ أَثَرًا عِنْدَهُ. لَمَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: "الْأَثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ. وَمَا بَعْدَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِأَثَرٍ".
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: فَكَيْفَ جَعَلْتَ أَنْتَ أَثَرًا مَا رَوَيْتَ فِي رَدِّ مَذْهَبِنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي أُسَامَةَ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَالْمَرِيسِيِّ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ، وَالثَّلْجِيِّ؟
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا رَوَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَبَقِيَّةَ بن الْوَلِيد وَابْن الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٍ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ ونظرائهم أثرا عنْدك، فأبعد من الْأَثَرِ مَا احْتَجَجْتَ فِي رَدِّهِ عَنِ الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ. فَكَيْفَ أَقَمْتَ أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَّهَمِينَ لِنَفْسِكَ أَثَرًا، وَلَا تُقِيمُ، أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَمَيِّزِينَ لَنَا أَثَرًا؟ مَعَ أَن [أبا] يُوسُفَ إِنْ قَالَ: لَيْسَتْ أَقَاوِيلُ التَّابِعِينَ بِأَثَرٍ، فَقَدْ أَخْطَأَ. إِنَّمَا يُقَالُ: لَيْسَ اخْتِلَافُ التَّابِعِينَ سُنَّةً لَازِمَةً كَسُنَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ. فَأَمَّا أَنْ لَا يَكُونَ أَثَرًا فَإِنَّهُ أَثَرٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَأَقَاوِيلُهُمْ أَلْزَمُ لِلنَّاسِ مِنْ أَقَاوِيلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى التَّابِعِينَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}، فَشهد بِاتِّبَاع الصَّحَابَةِ، وَاسْتِيجَابِ الرُّضْوَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ سَمَّوْهُمُ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَأْثِرُونَ عَنْهُمْ بِالْأَسَانِيدِ كَمَا يَأْثِرُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَيَحْتَجُّونَ بِهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَيَرَوْنَ آرَاءَهُمْ أَلْزَمَ مِنْ آرَاءِ من بعدهمْ، للاسم تَابِعِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". اهـ





وفي زماننا هذا - زمن التطاول والتهاون - يردُّون حتى أقوال الصحابة ولا يرفعون بها رأسا، ويعارضونها بعقولهم وما تزخرفه ألسنتهم

قال الله سبحانه (  وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) - [الأنعام 112]




يقول ابن القيم في " إعلام الموقعين ص 140 ":
" وَقَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ بِأَنَّ مَنْ تَرَكَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَرَكَ قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِقَوْلِ مَنْ هُوَ دُونَ إبْرَاهِيمَ أَوْ مِثْلِهِ ؟ ،
وَقَالَ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ قَالَ : قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّ عِنْدَنَا قَوْمًا وَضَعُوا كُتُبًا يَقُولُ أَحَدُهُمْ : ثنا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِكَذَا وَكَذَا وَفُلَانٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بِكَذَا ، وَيَأْخُذُ بِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ .
قَالَ مَالِكٌ : وَصَحَّ عِنْدَهُمْ قَوْلُ عُمَرَ ؟ قُلْت : إنَّمَا هِيَ رِوَايَةٌ كَمَا صَحَّ عِنْدَهُمْ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : هَؤُلَاءِ يُسْتَتَابُونَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ". اهـ


فكيف بمن دون إبراهيم النخعي !


هذا و صل اللهم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق