الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد،
فالزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، بخلاف الورع فهو ترك ما يضر في الآخرة و قد يدخل أحدهما في الآخر. و كل زاهد ورع.
يقول ابن مفلح في " الآداب الشرعية 231 " :
" قال شيخ الإسلام: إذا سلم القلب من الهلع، واليد من العُدوان كان صاحبه محمودًا وإن كان معه مال عظيم، بل قد يكون مع هذا زاهدًا أزهد من فقير هلوع. "اهـ
و قال ابن القيم في " المدارج 2/13 ":
" وليس المراد من الزهد رفضها - أي الدنيا - من الملك، فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال والملك والنساء مالهما.
وكان نبينا من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة.
وكان علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال.
وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم، وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير، وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد وكان له رأس مال يقول : لولا هو لتمندل بنا هؤلاء.
ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك." اهـ
و قال رحمه الله في " الفوائد 18 ":
" الزهد أقسام:
- زهد في الحرام وهو فرض عين.
- وزهد في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة، فإن قويت التحق بالواجب، وإن ضعفت كان مستحبا.
- وزهد في الفضول، وهو زهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره.
- وزهد في الناس.
- وزهد في النفس، بحيث تهون عليه نفسه في الله.
- وزهد جامع لذلك كله، وهو الزهد فيما سوى الله وفي كل ما يشغلك عنه.
وأفضل الزهد إخفاء الزهد.. والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع. " اهـ
و صدق، يقول ابن سعد في الطبقات 9209:
أَخْبَرَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : قَالَ أَيُّوبُ :
" لأَنْ يَسْتُرَ الرَّجُلُ زُهْدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُظْهِرَهُ " .
و قال أبو نعيم في الحلية :
حَدَّثَنَا أحمد بن جعفر بن مالك ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي ، ثَنَا أبو معاوية الغلابي ، قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ سلام بن أبي حمزة - وَكَانَ يُجَالِسُنَا - قَالَ :سَمِعْتُ أيوب يَقُولُ :
حَدَّثَنَا أحمد بن جعفر بن مالك ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي ، ثَنَا أبو معاوية الغلابي ، قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ سلام بن أبي حمزة - وَكَانَ يُجَالِسُنَا - قَالَ :سَمِعْتُ أيوب يَقُولُ :
" الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ ؛ أَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَاهَا عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْظَمُهَا ثَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، الزُّهْدُ فِي عِبَادَةِ مَنْ عُبِدَ دُونَ اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَلِكٍ ، وَصَنَمٍ ، وَحَجَرٍ ، وَوَثَنٍ .
ثُمَّ الزُّهْدُ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ .
ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَيْنَا فَيَقُولُ : زُهْدُكُمْ هَذَا يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ فَهُوَ وَاللَّهِ أَخَسُّهُ عِنْدَ اللَّهِ ؛ الزُّهْدُ فِي حَلَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . " اهـ
و أزهد الناس أنبياء الله عز و جل، ثم الصالحون من بعدهم.
و هذا كتاب الزهد لابن أبي شيبة رحمه الله، فيه ذكر أخبارهم و أحوالهم. قال جل و علا ( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) - [الأنعام].
فاللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علما.
قَالَ أبو قلابة :
" يَا أيوب إِذَا أَحْدَثَ اللَّهُ تَعَالَى لَكَ عِلْمًا فَأَحْدِثْ لَهُ عِبَادَةً، وَلَا يَكُنْ هَمُّكَ مَا تُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ " .[ الحلية لأبي نعيم ]
هذا و صل اللهم على نبينا محمد و على آله وصحبه و سلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق